هيئة الحفاظ على الموروث الشعبي لـ”بوابتي”: هناك طقوس رمضانية توارت مؤخرا وأخرى استعادت حضورها

اختفى مدفع رمضان وهيمن الزبيب البلدي

134

بوابتي/ وحدة الحوارات- خاص:

على الرغم من انسياب معظم المجتمعات وتماهيها مع تجدد العصور ومواكبة الحداثة على حساب تقاليدها وموروثها الشعبي، إلا أن ذلك لم يحُل دون استعادة حضور تلك التقاليد مجددا.

كذلك هي الطقوس والتقاليد الرمضانية في اليمن، فبعد انكفائها تدريجيا عن ملازمة شهر رمضان الفضيل من عام لآخر، ها هي تعاود دورها بفعل الظروف التي يقاسيها المواطنون، في إحياء روحانيتهم الرمضانية وحضورها المجتمعي.

غير أن انبعاث ذلك الموروث الشعبي المقرون بشهر رمضان المبارك، لم ينجد موروثات أخرى صارعت كثيرا لأجل البقاء، من التلاشي والافول، لتتوارى بدورها عن الطقوس اليمنية.

“موقع بوابتي” التقى وكيلة هيئة الحفاظ على المدن التاريخية والموروث الشعبي، أمة الرزاق جحاف، لتسرد التقاليد الشعبية التي احتجبت عن شهر رمضان مؤخرا وشارفت على الزوال أو راوحت مكانها، فضلا عن تلك التي استعادت حضورها الرمضاني.. فإليكم محتوى الحوار:

 

“رغم الأزمة”

في الحقيقة، الوضع الذي نعيشه في رمضان هذا العام والعامين السابقين، لم أكن أتوقعه مطلقا، لان البلاد تمر بحرب طاحنة خنقت حياة الناس وتسببت بأزمة حقيقية على كافة المستويات، خصوصا المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الاساسية، ومع ذلك تجد الأسواق تمتلئ بالمتسوقين والمتجولين، وكأن الحياة تسير على طبيعتها السابقة.

ومن الأشياء التي ظلت ملازمة لرمضان رغم الأزمة، أن ليله يتحول الى نهار، “وتلاقي المرأة ماشية لوحدها في شهر رمضان الساعة 11، 12 بالليل كأنها 11 الصباح، فهذه العادة ظلت مرافقة لليمنيين حتى في الحرب والناس عايشين حياتهم بنفس الطريقة التي تعودوا عليها”.

كذلك مازلنا نجد بعض الشيوخ والأطفال والشبان يتجهون الى المساجد قبيل اذان المغرب يحملون على أكفهم صحوناً وأطباقاً مليئة بطعام الإفطار. ويعد الإفطار في المساجد أحد الأشياء التي تميز اليمنيين الذين لا زالوا يحافظون على هذه العادة كطابع يعبر عن التعاضد والتماسك.

وأيضا العلاقات الاجتماعية مازالت متماسكة، متمثلة في الاهتمام بالجيران، فربات البيوت يفعلن في حسابهن أن يأخذن من هذا الطبق أو ذاك ويعطينه للجيران.. وهذا الموضوع اليوم ليس كما كان زمان: استعراض مهارات الطباخة، لكنه اليوم نوع من الدعم، من المساعدة والمواساة، ولذلك ليس لنا الا ان نتكاتف مع بعضنا وتسود ظاهرة التكافل الاجتماعي”.

 

“منتج محلي”

طبعا بسبب الأزمة تواجد في السوق المحلية أنواع جيدة من المنتجات التي كانت تُصدر للخارج وهذا بدوره ساعد على هيمنة المنتج المحلي، مثل الزبيب اليمني، الذي يشهد إقبالا كبيرا بعد أن كان يواجه منافسة شديدة من الزبيب الايراني والتركي والصيني.

كذلك المنتجات الأخرى، تجد الناس من مختلف مستوياتهم أقبلوا عليها وبالتالي يستهلك المنتج اليمني حتى لو كان أقل جودة، ولذلك اعتقد ان هناك توجه كبير لاستهلاك المنتج المحلي وهذا باذن الله سيعكس أثره في دعم المنتج الوطني.

أيضا، هناك إقبال على الزراعة، فبعد اختفاء القمح البلدي من الاسواق لسنوات طويلة، الان عاود ظهوره من جديد.. صحيح أن سعر البر يصل الى عشرين الفا للـ50 كيلو جرام، لكن مادام موجودا فأكيد ان له سوقا وقابلية لتسويقه بهذا السعر المرتفع.

و”بسبب الوضع الاقتصادي والحالة التي يعيشها الناس، بدأت تنتشر من جديد ظاهرة إعداد ملابس العيد في البيت، وصادفت الكثير من الامهات اللاتي قمن بشراء أقمشة لخياطة ملابس الأطفال في المنازل، كونها أقل تكلفة”.

ولكن بسبب انقطاع التيار الكهربائي العمومي، كان من الصعب تشغيل ماكينة الخياطة بالطاقة الشمسية، فعادت ماكينات الخياطة اليدوية الى الواجهة في ما ندر، “ورجعنا نسمع صوت المكنة التي كنا نسمعها في الماضي”.

 

“مدفع رمضان”

ومن الملاحظ في رمضان هذا العام والعامين الماضيين، اختفاء مدفع رمضان، بسبب ظروف الحرب والصواريخ والانفجارات، وقد كان من الظواهر الجميلة التي كان يحتفي بها الناس، “فكنا نحاول وقت المغرب وقبل الفجر التقاط صوت المدفع من بين أصوات المآذن ومكبرات الصوت، ولا نرغب بالإفطار والامساك الا على دويه”.

اضافة الى تكحيل العيون في بعض الجوامع مثل الجامع الكبير، بدأ يخفت الى حد ما، فكان يجلس مجموعة من كبار السن يحملون مكحلة وأمامهم يتزاحم عشرات الأشخاص ينتظرون دورهم في تكحيل أعينهم وتعد هذه العادة من أبرز سمات الطقوس الرمضانية اضافةً إلى التعطر بماء الورد.

إلا أن لرمضان هذا العام وسابقيه ايجابيات عدة، مقارنة بالعام قبل الماضي حيث كنا في ظلام دامس وكان الوضع صعبا جدا لعدم توفر الكهرباء لكن هذا العام الحمد لله تيسرت وحلت كثير من السلبيات، “واعتقد ان معظم المواطنين استطاعوا توفير الكهرباء عبر الطاقات الشمسية المتواجدة بأسعار تتناسب مع الجميع.. ولعل هذا من ايجابيات الحرب ان هناك توجهاً لاستخدام الطاقة البديلة الاكثر سلامة.

 

“المائدة الرمضانية”

بالنسبة للمأكولات الرمضانية، ما لفت انتباهي في الأعوام الأخيرة هو محلات المأكولات الشعبية التي تتميز بها صنعاء، خاصة في رمضان مثل: الرواني والشعوبية والقطائف والبسبوسة، فقد زادت وانتشرت بكثرة في هذه الفترة، لاننا كنا متعودين على محلات معينة، نذهب اليها مباشرة كونها مخصصة لهذه المأكولات، كما انها كانت موسمية في رمضان فقط، لكن في الفترة الاخيرة، بدأت تزاول نشاطها على مدار السنة بشكل خفيف، وتحتفظ بفراغات تستخدمها في رمضان فتوسع من طاقة المحل وامكانياته واستيعاب أكبر قدر ممكن من الايادي العاملة.

وكذلك هناك مشروبات مخصصة لا تتواجد الا في رمضان مثل “القديد”، وهو شراب منقوع البرقوق او المشمش، وخاص برمضان، والحلبة الحامضة والشفوت اللذين لا يتواجدان على المائدة بشكل يومي إلا في رمضان، وطبعا الحلبة الحامضة غير الحلبة العادية المتواجدة دائما، فالحلبة الحامضة معمولة بالخل الصنعاني الذي يبرع اصحاب صنعاء في عمله، وهو أيضا لا يظهر الا في رمضان فتلاحظ ظهوره يبدأ من نهاية شعبان ويكون سائدا الى نهاية رمضان ثم يختفي من الاسواق.

 

“اندثار”

في مقابل ذلك، اختفت عادات وتقاليد التمسية الرمضانية، حيث كان الاطفال في كل حارة يمرون على البيوت من الليلة العشرين من رمضان ويرددون أناشيد معينة مثل: “يا مسا جيت امسي عندكم واسعد الله المسا”، وهي كلمات محفوظة وتتناقل من جيل إلى آخر وكل جيل يضيف لها، ثم يقوم أصحاب البيوت بإعطاء الاطفال الحلويات أو النقود، فكانت مناسبة لإدخال الفرح والسرور إلى نفوس الاطفال، كما يحكي لنا كل من شارك بهذه التمسيات أنهم كانوا ينتظرون هذه الفترة الممتعة للكبار والصغار بفارغ الصبر.

هذه التمسية انتهت تماما، وكنا حاولنا إعادتها قبل حوالي عشر سنوات، فقمنا بتجهيز مجموعة من الأطفال وأعطيناهم فوانيس وحفظناهم الأناشيد التي ترافق الامسية، فكان الناس متفاجئين عندما مر الاطفال أمامهم، لأنهم قد نسوا هذه العادات، إلا أنهم تذكروا طفولتهم، وكان هناك تفاعل جميل لإحياء هذه المناسبة؛ لكن جاءت الاحداث في 2011 فتوقفت عملية إحياء هذه التمسية.

ومن الأشياء التي كانت موجودة واختفت أيضا أنه كان يتم في ليلة أول يوم من رمضان عملية “التنصير”، وهي عبارة عن شعلة من رماد مخلوط بمادة القاز، وكان كل واحد يضعها في بيته كإشارة إلى قدوم رمضان، لأنه لم تكن هناك وسائل إعلام تتحدث عن رؤية الهلال، وهي عادة قديمة، وقد استعاضها الأطفال بعد فترة بحرق إطارات السيارات؛ لكن نظرا لما تسببه من تلوث بيئي تم التوجيه بمنع ذلك، فاختفت هذه العادة بشقيها التقليدي، أي بالقاز والرماد، والحديث بحرق الإطارات.

أما المسحراتي فأعتقد أنه اختفى بعد ثورة سبتمبر بثلاث سنوات؛ لكنه ظل متواجدا في بعض القرى والأرياف وبنفس الطريقة الموجودة في المسلسلات، أي: نفس الطبلة ونفس طريقة النقر والاناشيد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.