الطائفة اليهودية توشك على الانقراض في العراق..لكن الذكريات باقية في إسرائيل

66

بغداد/ا- خلف أسوار أسمنتية عالية حول مقبرة الطائفة اليهودية في بغداد ترقد فيوليت شاؤول تحت شاهد قبر تبدو عليه آثار العوامل الجوية والشروخ يمثل واحدا من آخر تذكارات طائفة قديمة أوشكت على الانقراض.

دُفنت فيوليت الممرضة العراقية قبل عشر سنوات إلى جانب آلاف آخرين في رمال العراق الذي ازدهرت فيه طائفتها لأكثر من 2500 عام.

تستغرق الرحلة بالسيارة يوما إلى شواطيء البحر المتوسط في اتجاه الغرب لكن عالما آخر يفصل بين الموقعين من الناحية السياسية، حيث تنطق بالحسرة كلمات نقشت على مدخل مركز التراث اليهودي البابلي في إسرائيل تقول ”لم يعد للطائفة اليهودية في العراق وجود“.

وليس من قبيل الصدفة أن توجد في إسرائيل عبارة رثاء حزينة عن يهود العراق حيث فر عشرات الآلاف منهم إليها بعد عام 1948 وسط موجات عنف صاحبت قيام دولة إسرائيل.

ومما لا شك فيه أن انتقال تلك الطائفة المتعلمة والنشطة والمبدعة أثرت إسرائيل التي تبدأ اليوم الأربعاء الاحتفال بالذكرى السنوية السبعين لتأسيسها.

لكن هذا جرد العراق أيضا من أقلية كان لها مساهمتها على مر السنين في هويته السياسية والاقتصادية والثقافية.

ففي عام 1947 وقبل عام واحد من قيام إسرائيل بلغ عدد أفراد الطائفة اليهودية نحو 150 ألفا. أما الآن فعددهم يقل عن العشرة.

قال زياد البياتي العراقي المسلم راعي المقبرة التي نادرا ما يزورها أحد في مدينة الصدر بشرق بغداد إن والده اعتاد أن يتحدث عن ذكرياته عن الأيام التي كانت تتعايش فيها طوائف عرقية مختلفة.

وقال البياتي إن تلك الفترة سبقت الاضطرابات التي صاحبت قيام إسرائيل والحروب التي نشبت في السنوات التالية وكذلك الغزو الذي أطاح في 2003 بصدام حسين وأطلق العنان لسنوات من الصراع الطائفي.

وأضاف البياتي (48 عاما) ”اعتاد والدي أن يقول إنها كانت أيام رخاء عاش الناس فيها في سلام جنبا إلى جنب … لا يوجد أي اهتمام بالمقبرة (رغم أن) الناس هنا يحترمون الموتى وقبورهم“.

ويرجع تاريخ اليهود في العراق إلى نحو 4000 عام وإلى أيام الملك نبوخذنصر الذي حكم بابل ونفى اليهود منذ أكثر من 2500 عام.

وترقد في مقبرة بغداد شخصيات رئيسية منها ساسون أفندي حسقيل أول وزير مالية للعراق.

* من الأرض القديمة للأرض الجديدة
تسبب قيام دولة إسرائيل في 1948 وما ألحقته من هزائم متعاقبة بالجيوش العربية في موجات أخرى من الغضب الشعبي والعنف الذي استهدف اليهود وهذا فصل من التاريخ مكتوب في شواهد هذه المقبرة حيث يرقد فيها جنبا إلى جنب خمسة من يهود العراق اتهموا بالتجسس لصالح إسرائيل.

وفيما بين العامين 1950 و1952 تم نقل حوالي 125 ألف يهودي عراقي جوا إلى إسرائيل. جاء كل منهم بحقيبة واحدة واضطروا جميعا للتخلي عن الجنسية العراقية.

ولا يزال أحدهم وهو أهارون بن هور يحمل ذكريات مريرة عن العراق. ويتذكر بن هور البالغ من العمر الآن 84 عاما ويملك مطعمين للفلافل في تل أبيب مذبحة الفرهود التي راح ضحيتها أكثر من 180 يهوديا عام 1941 خلال الاحتفال بعيد الشفوعوت اليهودي. وكان من بين القتلى والده وشقيقه الأصغر.

وقال بن هور ”ألقوا بهما من الدور الثاني. والدي مات بعد عشرة أيام أما الصبي فمات على الفور تقريبا. كان يمسك به بيديه وألقوا بهما … أما أنا فنجوت“.

وغادر بن هور في عام 1951. وظل آخرون لفترة أطول. وكان عماد ليفي (52 عاما) آخر من هاجر من يهود بغداد إلى إسرائيل في العام 2010.

قال لرويترز خلال الاستعداد لاحتفالات إسرائيل بذكرى قيامها ”حافظنا على تقاليدنا، العطلات والمعبد. لكن لم يكن الفرح هو الفرح الذي تشعر به خلال عيد عندما تمشي في الشارع وأغلب من حولك من اليهود“.

ويوضح مركز التراث الواقع في مدينة أور يهودا قرب تل أبيب أن ليفي واحد من نحو 600 ألف إسرائيلي، من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 8.8 مليون نسمة، الذين يمكنهم القول بأنهم ينحدرون من أصول عراقية.

وداخل مبنى أقيم على غرار بيت يهودي تقليدي من طابقين من بيوت بغداد تُعرض آثار دينية وثقافية عن حياة اليهود في العراق عبر القرون.

ويسير الزائر عبر أزقة الحي اليهودي المتعرجة في بغداد التي أعيد بناؤها حيث يشاهد نموذجا مصغرا للمعبد الكبير في العاصمة العراقية.

وتصور المعروضات في المتحف المصاعب التي واجهها المهاجرون العراقيون في سنواتهم الأولى في إسرائيل حيث كان يهود الأشكينازي، الذين ينحدرون من أصول أوروبية، هم الصفوة الحاكمة وكان يهود السفارديم، المنحدرون من منطقة الشرق الأوسط، يتعرضون للظلم.

وفي إحدى الصور يظهر المهاجرون الجدد القادمون من العراق أثناء رشهم بمادة (دي.دي.تي) المبيدة للحشرات. وأقيمت خيمة على الأرض تبين كيف كان يتم إيواء المهاجرين في البداية.

لكن المتحف يسجل أيضا كيف خرج من صفوف يهود العراق جنرالات في الجيش الإسرائيلي ووزراء ونواب ورجال أعمال وفنانون وكتاب مرموقون.

ولا يتوقع عدد يذكر منهم العودة وسط الاضطرابات العنيفة التي مازالت تكتنف العراق وسوريا واليمن وغيرها من الدول التي ازدهرت فيها طوائف يهودية.

ويتذكر زيفولون هاريلي البالغ من العمر الآن 90 عاما أنه انضم إلى حركة يهودية سرية للدفاع عن النفس في العراق ومصير بعض من رفاقه الصهاينة عام 1948.

وقال هاريلي الذي هاجر إلى إسرائيل عام 1949 ”كانوا أطفالا 14 و15 سنة. تعرضوا للتعذيب والشنق. وتم حرق أعضاءهم التناسلية. فقد أعلن العراق أن الصهيونية جريمة“.

ولا يزال البعض يكن بعض المشاعر الإيجابية. فقد قام إدوين شكر الذي ولد في العراق بعدة زيارات لمقبرة بغداد في السنوات الأخيرة وفي بعض الأحيان نقل أفرادا يريدون الصلاة على الموتى عند القبور.

ويقول إن العراقيين يرحبون به عندما يزور العراق ويصادف حنينا لتلك الأيام عندما كان العراق يضم ”لوحة فسيفساء“ من الأقليات.

ويقر شكر (62 عاما) الذي اضطر للهرب من العراق عام 1971 أنه ”لن يعود أحد … لكن هناك كثيرين سيرحبون بزيارة القبور التي دفن فيها أجدادهم. الطائفة اليهودية العراقية هي الطائفة اليهودية الأكثر حماسة، ربما في أي مكان، في ارتباطها بمسقط رأسها بفعل تاريخها“.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.