كتابات

عصر الإنحطاط!

عبد الرحمن يوسف

جلس القاضي على المنصة، وقبل أن ينطق حكمه بالإعدام على المتهمة وعشيقها بتهمة قتل الزوج المغدور، ألقى خطبة هي مزيج من البذاءة، والتأله.. شتم فيها المتهمة ووصفها بالفسق، وعيّر أبناءها وأبناء أبنائها، وشتم العشيق واصفا إياه بالكلب!
وبعد أن بشّر الحاضرين وتلا منطوق الحكم بالإعدام شنقا على المتهمَيْن، لم ينصرف قبل أن يقول إنه لو كان الأمر إليه لمزقهما إربا إربا، وقتلهما بتقطيعهما قطعة قطعة، يوما بعد يوم.
إنه عصر الانحطاط!

لا يدرك هذا القاضي الجاهل أنه قد انتهك عشرات الأعراف والقوانين بتصرفه الأحمق، والحقيقة المرة إن منظومة القضاء المصري غير مؤهلة للفصل في أمور الناس، وهي غير مؤتمنة على أموالهم وحقوقهم المادية، ناهيك عن حيواتهم.
المنظومة القضائية في مصر (بشكل عام) لا تستوفي الحد الأدنى من المهنية أو الاستقلالية، فغالبية المنضمين لسلك القضاء لو أجريت لهم اختبارات متوسطة المستوى في أساسيات القانون لرسبوا، وهم على منصة القضاء لأسباب أخرى لا علاقة لها بالمؤهلات العلمية والقانونية.
نسبة كبيرة من هؤلاء ضباط شرطة سابقون، وأبناء بعض أصحاب النفوذ الذين وصلوا بالواسطة أو بالرشوة، وهذا معلوم من الحياة بالضروة.
هؤلاء الجهلة… يجلسون على منصات القضاء، ويفصلون بين الناس في قضايا المال والعرض، وفوق كل ذلك… يحكمون بإعدام هذا وذاك!

احتفال دولة العدو الصهيوني باستقلالها (الذي هو نكبتنا) على مقربة من ميدان التحرير؛ بحفاوة وتقدير، وبتعمد إذلال للأمة المصرية، لم يكن ليتم إلا بعد تراجع ثورة يناير المؤقت، وتغير الظرف الذي أعاد قوى الشعب إلى السجون، وأعاد الاستبداد إلى القصور.
لقد أصبحت الدول العربية، وعلى رأسها النظام المصري، في حالة من المزايدة على إسرائيل، وعلى رأس أهم الأنظمة العربية مجموعة من الصهاينة العرب، وعلى رأس كل نظام من هؤلاء مهرج يجمع بين التفاهة والإجرام، وهم على استعداد لارتكاب مجازر ضد شعوبهم لكي يبقوا في الحكم، ولا يملكون من مؤهلات البقاء إلا التنازل لإسرائيل، فهي التي تحرسهم، وهي التي تقدمهم للمجتمع الدولي، وهي التي تخطط لهم.
***
في ماليزيا حكم السيد مهاتير محمد البلاد لأكثر من عشرين سنة، وأحسن كثيرا في بدايات حكمه، وأساء كثيرا في النهايات، وكان من أكثر ما أساء فيه أنه فجر في خصومته مع نائبه السابق لسنوات طوال؛ السيد أنور إبراهيم.
كل جريمة أنور إبراهيم أنه تصدى لفساد أبناء مهاتير محمد (كان حينذاك وزيرا للمالية، ونائبا لرئيس الوزراء).
لقد رأينا كثيرا من السياسيين يسجنون حلفائهم حين يختلفون معهم، سواء في مواضيع تتعلق بالمال العام، أو الشرف، أو السلوك الشخصي، ولكن أن تصل الدناءة لدرجة أن تلفق لنائبك السابق تهمة لواط… فهذا والله لأمر عجيب لم يفعله – فيما أعلم – إلا مهاتير محمد!
حين دارت الأيام، وتَحَكَّمَ في ماليزيا رئيس وزراء فاسد، وأصبح وجوده خطرا على البلاد، شرب الجميع كؤوس السم لكي ينقذوا ماليزيا، ورأينا بأم أعيننا السيد مهاتير محمد يتحالف مع نائبه السيد أنور إبراهيم، وكلاهما يبغض صاحبه كل البغض!
بغض النظر عما حدث بعد ذلك، وبغض النظر عن نتائج الانتخابات… العبرة في تصرف النخب السياسية الحقيقية في لحظة الخطر من أجل المصلحة العامة.
قارن بين هؤلاء وبين نخب مصر والعالم العربي، هؤلاء الذين يسبّون الدكتور محمد مرسي حتى اليوم (برغم أن الرجل في السجن، وبرغم أن كثيرا مما لفق له كان باطلا محضا)، وبين هؤلاء الذين يشتمون ويشمتون في عبدالمنعم أبو الفتوح، وفي علاء عبدالفتاح، وفي عصام سلطان، وفي سامي عنان، وفي أحمد دومة، وفي شادي أبو زيد… الخ الخ.
قارن ما حدث في ماليزيا بما يحدث عندنا من هؤلاء الذين يبذلون جهودا خارقة لإلقاء الحجارة على كل من يحاول أن يوحد الجهود، أو يؤلف القلوب من أجل تغيير هذا الواقع المر الذي تعيشه مصر والمنطقة كلها.
لقد تمكن مهاتير محمد وأنور إبراهيم من التحالف سويا من أجل ماليزيا، وما زالت نخب مصر تتصرف بمنتهى الصبيانية، رغم أن الخطر الذي يحدق بمصر أكبر من الخطر الذي يحدق بماليزيا ألف مرة!.. نخب تسلم نفسها وقرارها لمجموعات (ألتراس) على مواقع التواصل الاجتماعي، نخب لا تملك شجاعة مواجهة الجماهير بحقيقة الأوضاع، نخب لا تملك جرأة الخيال، أو القدرة على التغيير.
الانحطاط ليس من نصيب الحكومات والأنظمة فقط، بل ينال النخب والمعارضة أيضا.
***
رفع أسعار تذاكر المترو في مصر يدل على أن البلاد ستظل تسير إلى الكارثة على جثث الفقراء، وحين تحدث الكارثة ستطال الجميع، لا فرق بين فقير وغني، ولن يوقف هذا النظام إلا توحد غالبية أبناء الشعب، ولا سبيل لذلك إلا بالاتفاق على الحد الأدنى من المشترك الوطني، والحل الأمثل لكي يتم ذلك هو أن تطوى صفحة الماضي، وأن ننظر إلى المستقبل، وأن نتفق على رفض القتل، والاعتقال، وبيع الاستقلال الوطني، وإهدار كرامة الوطن والمواطن.
أما بقية أسباب الخلاف النظرية، فلا بد أن تتراجع إلى الخلف، وأن يتقدم أصحاب الهمم، وأولو النهى؛ الذين يستطيعون أن يرتبوا سلم الأولويات بشكل سليم، وأن ينقذوا هذا البلد قبل أن يفوت الأوان.

المصدر:عربي21