منوعات

لهذه الأسباب.. التشاؤم يجتاح الشارع التونسي

بوابتي/صحف

حالة من التشاؤم والخوف من المستقبل تسود قلوب التونسيين، منذ سنوات؛ تسبّبت بها أزمات متلاحقة تجاوزت وضعهم الاجتماعي، ليعيشوا فضلاً عن ذلك أزمات اقتصادية وسياسية.
 
ويحذّر مراقبون من أن يتسبَّب ارتفاع نسب التشاؤم بخلق فاجعة أكثر رعباً، وقد يؤدّي ذلك إلى أزمات جديدة وغير مسبوقة للتونسيين، الذين انتظروا الفرج منذ أكثر من 7 سنوات دون أن يتحقّق.
 
ذلك ما أكَّدته نتائج استطلاع آراء أعدَّته مؤسَّسة سيغما كونساي (مؤسَّسة تُعنى بالبحوث واستطلاعات الرأي)، بالتعاون مع جريدة المغرب التونسية الخاصة، ما بين 20 و25 يوليو 2018، وصدر في 1 أغسطس الجاري.
 
وبيّن الاستطلاع ارتفاع نسبة التشاؤم لدى التونسيين وبلوغه أرقاماً قياسية.
 
وحسب نتائج الاستطلاع، “فإن البلد لم يشهد هذا المستوى المرتفع جداً من التشاؤم من قبل؛ إذ بلغت نسبة الذين يرون أن البلاد تسير في الطريق الخطأ ما يقارب الإجماع؛ بنسبة 86.2%، والحال أنها كانت منذ سنة بالضبط في حدود 52.1%، أي إنها ارتفعت خلال 12 شهراً بـ34 نقطة كاملة”.
ويؤكّد القائمون على الدراسة وجود إحساس عامّ تدعمه قرائن عديدة بتدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشيّة ولمحيط الحياة؛ منها أزمة فقدان العديد من الأدوية، مع أزمات انقطاع الماء الصالح للشراب في أماكن كثيرة من البلاد.
 
وكل ذلك -وفقاً للدراسة- سببه تصاعد التضخُّم وغلاء الأسعار، مشيرة إلى أن أزمة الحكم ألقت “بظلالها السلبية” على هذه الأوضاع المعيشيَّة الصعبة؛ لأنها تجعل المواطن يشكّ كثيراً في إمكانية سريعة لإصلاح الأوضاع.
 
– دراسات متلاحقة
وكشف استطلاع آراء آخر لـ”مؤسَّسة امرود كونسلتينغ”، وهي مؤسَّسة تعنى أيضاً بالبحوث واستطلاعات الرأي، أجرته بالتعاون مع مؤسَّسة “دار الصباح” الحكومية، خلال الفترة المتراوحة ما بين 18 إلى 20 يوليو 2018، ارتفاع نسبة التشاؤم لدى التونسيّين.
 
وذكر الاستطلاع أن نسبة التشاؤم عند التونسيين وصلت إلى 32.2%، خلال يوليو الماضي، بعد أن كانت في حدود 29.5%، في الشهر الذي سبقه، وهي التي لم تتجاوز 25.3%، في مارس الماضي. مقابل تدنّي نسبة التفاؤل من 63.9% في يونيو الماضي، إلى 59.7 % في الشهر الذي تلاه.
 
وأظهرت استطلاعات رأي مختلفة أن نسبة التشاؤم لدى التونسيين شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، ولم تتراجع منذ سنوات، فضلاً عن أن نسبة كبيرة منهم غير راضية عن إدارة الأمور في بلادهم، وترى أن تونس تسير في الطريق الخطأ.
 
وبيّنت الاستطلاعات أيضاً وجود تراجع ملحوظ في ثقة التونسيين بشخصيات سياسية بارزة، على رأسها الرئيس الباجي قائد السبسي.
 
وبحسب استطلاع سابق أجرته مؤسَّسة “سيغما كونساي” التونسية المتخصِّصة في استطلاعات الرأي، فإن 79.9% من التونسيين مقتنعون بأن بلادهم لا تسير على الطريق الصحيح.
 
وبيَّنت الاستطلاعات السابقة التي أجرتها “سيغما كونساي”، أن نسبة التونسيين الذين يعتقدون أن بلادهم تسير في الطريق الخطأ لم تقل عن %75، منذ شهر سبتمبر 2017.
– تداعياته خطيرة على المجتمع
ويقدِّم استطلاع مؤسَّسة “سيغما كونساي” تفسيراً منطقيّاً لوجود تونس في مركز متقدّم بين الدول العربية التي تهاجر الكفاءات منها.
 
ففي يناير من العام الجاري، أكَّد التونسي حسن الزرقوني، مدير مؤسَّسة “سيغما كونساي”، أن 45% من الأطبّاء التونسيّين الجدد المسجَّلين في هيئة الأطباء سنة 2017 غادروا البلاد، وهو نفس ما قام به آلاف المهندسين.
 
واعتبر الزرقوني وقتها أن هذه النسبة تدقّ ناقوس الخطر ؛ “لأن تونس بحاجة إلى أبنائها في هذه الفترة”.
 
وكان استبيان لمركز تونس للبحوث الاستراتيجية قد أظهر أن 78% من الكفاءات التونسية الموجودة في داخل تونس لديها رغبة في الهجرة، وهو ما يُعَدُّ رقماً مرتفعاً جداً.
 
نفس الاستبيان أوضح أنّ 55% من الطلبة الذين يقرّرون إتمام دراستهم في الخارج لا يعودون إلى تونس، وإنما يستقرّون هناك للعمل.
– لماذا يتشاءم التونسيّون
ويعتبر محلّلون أن الشعور بالإحباط والتشاؤم يعود إلى إخفاق الطبقة السياسية في تحقيق المطالب التي جاءت بها ثورة يناير 2011، قبل سنوات؛ لأن التونسيين عوّلوا حينها على الثورة لتحقيق تطلّعاتهم ‏الاجتماعية.
 
ويرون أن مطالب التونسيين المتعلّقة بالتشغيل والتنمية ضاعت، ‏وتضاعفت معاناتهم من جراء انتشار الفقر والبطالة وغلاء الأسعار، وانحدار قيمة ‏الدينار، وغياب التنمية في الجهات المحرومة، وبروز ظاهرة الإرهاب.
 
في هذا السياق، يؤكّد الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة تونس المنار، إبراهيم العمري، في حديث لـ”الخليج أونلاين”، أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية جعلت الطبقة الفقيرة والمتوسّطة تعيش حالة عدم اطمئنان، خاصة بعد تراجع المقدرة الشرائية لدى المواطن، وتهاوي الدينار التونسي في مقابل الدولار واليورو.
 
هذه الأسباب، بحسب العمري، جعلت المواطن التونسي قلقاً أحياناً وخائفاً من عدم تمكّنه من الحصول على مرتَّبه أو أجوره.
 
ويُضيف العمري أن الطبقة المرفّهة أيضاً أصبحت متشائمة بسبب الهزات التي تعيشها الحكومة، خاصة بعد الصراع العلني بين نجل رئيس الجمهورية، حافظ قايد السبسي، الذي يترأس حزب نداء تونس الحاكم، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، فضلاً عن ارتفاع المخاوف من توجه الرئيس التونسي إلى توريث ابنه في الحكم، ومن ثم القضاء على آخر أحلام الثورة.
 
إلى ذلك يقول الأستاذ في علم الاجتماع، محمد الجويني، إن الأحداث اليومية التي يعيشها التونسي بتوتّراتها، ولّدت شعوراً بعدم الارتياح والقلق؛ جعلته يعيش حالة من التشاؤم لعدة أسباب؛ منها تراجع الدينار التونسي، وانتشار ظاهرة الإرهاب، فضلاً عن تردّي الأوضاع الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة.
 
وأضاف لـ”الخليج أونلاين” أن المناخ السياسي له أيضاً دور كبير في أن تسود هذه الحالة من التشاؤم بين الشعب، الذي يجد أن انتظاراته بعيدة جداً عن الواقع.
 
يُشار إلى أن المقدرة الشرائية لدى المواطن التونسي قد تراجعت بنسبة 40%؛ وفق بيانات منظمة الدفاع عن المستهلك، ويبدو أن الأزمة باتت تُلقي بظلالها ليس على الفئات المتوسّطة والضعيفة فقط، بل أيضاً على الفئات الميسورة.