أخبار اليمنأخبار بوابتي

نكبة الحادي والعشرين ومحاولة اغتيال الوجدان

عبدالله شروح – بوابتي

 

كلّ شعوب الأرض عانت، بفترات من حياتها، قهر الاستبداد وذلّ الاستعمار، كما أن كلّها ثارت عليهما. كسّرت الأغلال وحطّمت الجدران وخرجت تتنشّق الحريّة، وإن بدرجات متفاوتة.

والشعوب الثائرة عن وعي، تكون، حتى في لحظة التحرير نفسها، في حالة من القلق أن يدور الزمن دورته فيعود الاستبداد لتكبيلها والاستعمار لامتهانها.. لكنّها حينما تتنفس صَعَداءها، مطمئنّة لكون هذا الخطر صار بعيداً عنها، تتخذ من أيّام انطلاقاتها للتحرير، أيّاماً مقدّسة، غالباً ما تتجاوز قيمتها الوجدانيّة، في أذهان الأغلبيّة، تلك التي للأعياد الدينيّة. وهذا شأن طبيعيّ جدّاً، باعتبار الحرية لازماً مبدئيّاً يؤسس لوجود الدين. الحرية أولاً ثمّ يأتي الدين، فالله لا يقبل عبادة من يشرك معه غيره.

وأظنّ بإمكاني القول، رغم ضآلة معرفتي بتأريخ الشعوب، أنّنا، كشعب يمنيّ، في صدارة الشعوب التي عانت من استبدادٍ مزمن، استبداد طويل، التهم قروناً متتابعة من عمره. استبدّه فصيل إجتماعيّ طرأ عليه في ظرفٍ ما ثمّ ما لبث أن سرطنه ليشلّ حركته لاحقاً لصالحه.

ولأنّ أكثر أنواع الاستبداد فاعليّة وديمومة هو ذاك الّذي يرتدي، زيفاً، عباءة الدّين، ولأنّ الذين استبدّوا بشعبنا من أكثر الخلق خبثاً، كان أن اختاروا هذه المسحة لتبرير استبدادهم، ليتمكنوا من رعايته لقرون آتية.. مسحة الدّين.

ولَكَم هو مثير للسخرية أن يقبع شعب من أعرق وأقدم شعوب الأرض، تحت نير الاستبداد الأرخص قيماً والأكثر إذلالاً، لمئات السنين. فصيل وفد إليه من خلف حدوده، متأرجحاً بين روايتين تأريخيّتين: أنّه فارسيّ تمّ استقدامه بناءً على تحالف سياسيٍّ لطرد الاحتلال الحبشيّ، وهي الرواية الأدقّ؛ وأنّه قرشيّ جاء مستنجداً هذا الشعب، بالقرن الثاني الهجريّ، ملتمساً كرم الأرقّ قوباً والألين أفئدةً؛ وهي الرواية الأضعف، والتّي هي من وجهة نظري، وانطلاقاً من استقصاء وبحث، لاصحّة لها، تفتقر للأدلٰة وتتعارض مع الوقائع في الماضي كما في الحاضر..

وكلتا الروايتين تثبتان أنّ هذا الفصيل ليس من جسد الشعب. ولو أنّه انصهر فيه، لاحقاً، وذاب في هويّته، كما كلّ الأجناس التي أتت إليه سواءً لاحتلاله أو على سبيل النزوح، من أحباش وأتراك وغيرهم، لكان هذا شأن طبيعيّ تماماً. لكنّه لم يفعل. ظلّ على تمايزه عن المجموع، داعياً إيّاه لتأليهه وعبادته. انطلاقاً من حجة هي أقذر الحجج وأكثرها مجانبة للمنطق: اتصالهم، نسباً، برسول الله! يقولون: أنتم يمانيّون، وأسلمتم باكراً. ونحن أبناء الرسول. وسنكافئكم على ذلك باستعبادكم؛ وعليكم أن تشكروا الله على ذلك!

وما بين التجهيل والترغيب والترهيب، ظلّ هذا الفصيل مصلتاً سيفه على رقبة شعبنا لقرونٍ خلت..

لكن مهما كانت يد المستبدّ طائشة وباغية، تظلّ للشعوب كرامتها، توقها للحريّة، تطلّعها للعدل. وتماهياً مع هذه القيم، باعتباراها نداءات الغريزة والفطرة، استطاع شعبنا في مراحل معيّنة، تحييد هذا الاستبداد، تنحيته جانباً، ولو لفترات ضئيلة. ودوماً ما كان ذلك بإمكانيّات ماديّة باهتة. وكانت أعظم هذه الوثبات إطلاقاً، ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 26، المحاولة اليمانيٰة الأنصع للتحرر من هذا الكهنوت، وأبرز محطّات النّضال في تأريخ هذا الشعب. من خلالها كُسِرَت الإمامة لنصف قرن من الزمان، وإن استطاعت الحفاظ على بعض الوجود بزوايا نائية في جسد الحكم، إلّا أنّها ظلّت مهشّمة الجمجمة منذ التأريخ المجيد 26 سبتمبر 1962، إلى نكبتنا الحاليٰة.

وعلى مدى النصف القرن المنصرم، كان هذا التأريخ أيقونة كلّ يمنيّ، ترنيمته، تعويذته، ومعين وطنيّته العذب. وبالمقابل، كان الكابوس الأكثر فتكاً بالذهن الإماميّ الموبوء بالسلاليّة وبالحقد.. ولأنّه، هذا الفصيل، مجبول على الخبث، لم يكفه، حينما تكاتفت الظروف لجعل انقضاضه علينا مجدياً، أن يفعل ذلك هكذا ببساطة؛ كان لا بدّ، ليشفي غليله، من استهداف وجداننا الجمعيّ، إصابتنا في مقدّساتنا، تطويح القيمة الّتي ننهل منها اعتزازنا ووجودنا، فظلّوا على حصارهم لصنعاء إلى اقتراب هذا التأريخ النّاصع، الـ 26 من سبتمبر. فقط تقدّموا بضعة أيّام، أربعة فقط، لحساباتهم للمعركة التي ظنّٰوها ستستهلك هذا الزمن فيكون اعلان سيطرتهم على العاصمة في التأريخ نفسه الذي خرجوا به منها، معمّدين زمن جديد للإمامة، عودة كئيبة للاستبداد والكهنوت، وغروب للإشراقة اليمانيٰة الأكثر وهجاً.

ومن حينها، ابتدأوا سلسلة تصفيات للرموز الوطنيٰة، للحدّ الّذي دفعهم لمحاولة تغيير أسماء الشوارع الّتي تتضمّن هذه الرموز. شارع الزبيري، مثلاً، لشارع الرسول الأعظم. وترون ما يقترفونها، حاليّاً، من تعديلات على المناهج الدراسيّة، باجتثاث كلّما يمتّ لوجودنا اليمنيّ بصلة، لتأريخنا، لتراثنا، لاستقلالنا، ولنضالنا الطويل الكبير.. قبل أيّام قرأتُ في منشور لا أتذكّر صاحبه، أنّهم غيروا اسم مستشفى الشهيد العلفي، في محافظة الحديدة، إلى المجمّع الطبي أو على نحوٍ من هذا. وهكذا الكثير من التفاصيل الّتي لن يسعنا إحصاءها في ظروف هذه الحرب وستتكشّف لنا لاحقاً!

هذا السعي الحثيث لسلخنا عن هويّتنا، لتجريف تأريخنا، للطخ جماليّاته بسوادهم، ينبغي أن نجابهه نحن، بالإضافة لاجتراح أمجاد جديدة، بإعادة إحياء أعيادنا تلك، رموزنا، وأمجادنا، بالاستدعاء الكثيف لهويّتنا المستهدفة، لرصد ما يتهددها من أخطار، وما عاشته من تحدّيات على مرّ القرون.. هذه هي معركتنا الأخطر والأهمّ، كونها تتعلّق بالوعي، بالمعنى، وبالقيمة، وكون الضرر الذي يلحق بهذه الشؤون، مهما كانت ضآلته، أخطر ألف مرّة من أي ضرر ماديّ، مهما بلغت جسامته. ويجب أن يظلّ هذا دأبنا إلى أن نشقّ فضاء صنعاء بأصداء نشيدنا:

عاد أيلول كالصباح جميلاً.. سُحِقَت في طريقه الظّلماءُ