السبت 26 سبتمبر 2020
الرئيسية - ثقافة وفن - عندما عزل كافكا المسلول نفسه قبل 6 أشهر من رحيله في "الجحر"
عندما عزل كافكا المسلول نفسه قبل 6 أشهر من رحيله في "الجحر"
الساعة 01:21 صباحاً (الاندبندت )

قد يكون فرانز كافكا واحداً من أبرز الروائيين العالميين الذين خبروا العزلة عن كثب وعاشوها وكتبوها سواء في أعمالهم وعبر شخصياتهم أم من خلال تأملاتهم واليوميات التي دوّنوها على هامش إبداعهم الأدبي. واختبر كافكا هذه العزلة في المفهوم المرضي، هو الذي عانى وباء السل سنوات ومات به في العام 1924. يقول كافكا في إحدى شذراته :"لا تحتاج إلى مغادرة غرفتك. إبق جالساً إلى طاولتك واستمع. أو حتى لا تستمع، فقط انتظر، كن هادئاً، ثابتاً ووحيداً". وفي إحدى رسائله إلى حبيبته فيليس يقول:" كنت أتمنى باستمرار أن أجد زاوية صغيرة وهادئة، في عليّة داخل قصر قديم، كي أتمدد فيها بسلام".

 



قبل ستة أشهر من وفاته أي في العام 1923 كتب كافكا نصاً هو آخر ما كتب عنوانه "الجُحر"، ويتراوح بين كونه رواية قصيرة أو قصة طويلة أي "نوفيلا" كما يقال بالإنجليزية، ولم يتمكن من إنهائه بعدما بلغ الصفحة الخمسين. ومن يقرأ هذا النص السردي اليوم يكتشف مدى راهنيته في الظروف الناجمة عن انتشار وباء كورونا عالمياً والذي فرض العزل والحجر والتباعد الاجتماعي.

 

"هيأت جُحري"

 

"لقد هيأت جُحري وبدا لي أنني نجحت فيه". هكذا يستهل كافكا نصه هذا الذي لم يرج كثيراً مثل رواياته "المسخ" و"المحاكمة" و"القلعة" و"أميركا". أما آخر جملة فيه فهي: "لا شيء تغير". لم ينه كافكا نصه "الجحر"، ويقال إنه أسقط النهاية إما لعدم رضاه عنها وإما عجزاً عن إتمامه. لكنّ السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل تقصّد كافكا عدم إنهاء نصه البديع هذا، جاعلاً إياه مفتوحاً على احتمالات مجهولة وتأويلات يفترضها القراء بحرية؟ ولعله جسّد في هذا النص الغريب والغامض، نظرية الناقد الإيطالي أمبرتو إيكو التي أوردها في كتابه الشهير"النص المفتوح". أما الطبعة الأولى لهذا النص فصدرت العام 1931 بإشراف الكاتب ماكس برود، صديق كافكا شبه الوحيد، الذي أنقذ معظم أعمال كافكا، ناقضاً وصيته بإحراق كل مخطوطاته بعد وفاته.

"الجحر" في الترجمة الفرنسية (دار غاليمار)

للوهلة الأولى يبدو النص شبه المجهول والذي نشر ضمن أعمال كافكا الثانوية، قريباً جداً من رواية "المسخ" بجوه الغرائبي والواقعي النفسي. لماذا اختار كافكا هذا الجحر بصفته بيتاً أو موئلاً لشخصيته الوحيدة التي هي الرواي نفسه؟ من هو هذا الرواي الذي يتبدى للقارئ أنه نصف إنسان ونصف حيوان؟ وهاجسه الملحّ كما يظهر في النص الذي هو عبارة عن مونولوغ متواصل، أن يحمي نفسه من العالم وأن يتحاشى أي تطفل أو تعدّ يأتي من الخارج، وقد عمد إلى سد مدخل الجحر قاطعاً أي منفذ أو سبيل إلى داخله. هل يكون هذا الرواي هو قرين معاكس أو مضاد لغريغوار سامسا "بطل" رواية "المسخ" الذي استحال حشرة عندما كان نائماً في سريره والذي حاول جاهداً الخروج من "جحره" أو غرفته المقفلة التي أسر فيها، كما في الرواية؟ غرغوار يبغي الخروج من الأسر إلى العالم حتى بعدما تحول إلى حشرة، بينما الراوي في "الجحر" فيريد البقاء في الداخل بعيداً عن العالم والبشر. وما يجمعهما في الجوهر هو تقاسم كليهما الهوية المنفصمة بين انتماء بشري وآخر حيواني. غريغوار كان إنساناً ومسُخ حيواناً، أما الراوي في "الجحر" فهو إنسان وحيوان في آن واحد.

 

 في العام 1922 كتب كافكا رسالة غريبة إلى أحد أصدقائه يقول فيها: "أركض في الجهات كافة أو أبقى جالساً، جامداً، كما يفعل حيوان هو فريسة اليأس في جحره". هذه الجملة كتبها كافكا قبل عام تقريباً من تأليف نصه وكأنه يعيش فعلاً تجربة هذا الرواي الذي أسر نفسه في جحره. هل يجسد الجحر واقعه المازوم هو نفسه؟ هل يجسد واقع البشر المأزومين؟

 

في هذا الجحر الذي يمثل فضاء مغلقاً، فضاء جسدياً وروحياً وفنياً أو أدبياً، أراد كافكا أن يتخلص من كل شيء، من الحياة الخارجية التي تهدده من أجل أن يغرق في الكتابة ويكرس نفسه لها. كان مصاباً بالسل، بل كان السل قد أخذ منه كل مأخذ وفقد الأمل من الشفاء منه. ترى هل كان هذا الجحر ملجأ رمزياً اعتكف فيه كافكا تخييلاً، لمواجهة خطر المرض والموت معاً؟ وفي أوج  مرضه كان يتكلم عن سعاله كما لو أنه "حيوان يسعل" ويسمي السل العدو.

في النص إذاً راو واحد لا يُعرف عنه إلا الشيء القليل، نصف إنسان ونصف حيوان. بل هو حيوان حيناً وإنسان حيناً. يفكر ويتأمل ويتصرف تصرفاً غريزياً، سالكاً مسلك الحيوان المختبئ في الجحر والذي لا ينتظر الفرصة الملائمة (الطبيعية مثلاً) للخروج. في بداية النص يعلن الرواي انتهاءه من بناء جحره الذي يشبه المتاهة وفيه أروقة ومفارق وساحة. أما المدخل فمغلق بطبقة من الرغوة الجامدة. يعيش الراوي عزلته بحرية، يحلم بتحسين جحره وتموينه بسائر المؤن. (لعل هذا ما يذكر بظاهرة التموين الذاتي المنتشرة هذه الأيام في زمن العزل أو الحجر الذاتي). لكنه في الآن نفسه يعيش حالاً من القلق والخوف من أي عدو يهاجم ملجأه. لذلك جعل جحره أو وجاره، أشبه بمتاهة كي يجعله آمناً من أي غزو خارجي. فمن يدخله أو يتسلل إليه لا بد له من أن يتوه فيه. ومن حين إلى آخر يخرج بحذر شديد من وكره ليتأكد أنه صامد ومحمي، وليوفر بعضاً من زاده.

 

يبدو الرواي كأنه شخص مصاب بالقلق والانفصام. همه الاول جعل الجحر ملجأ حصيناً يرد عنه العدو المجهول الذي يأتي من الخارج. أما همه الآخر فهو الخوف من أن يسقط فريسة بين يدي هذا العدو المجهول. إنه خائف دوماً. يهيئ نفسه دوماً للمواجهة التي لا يعلم متى تحصل. وفي غمرة الصمت الذي يعيش فيه والذي يصفه بـ "الصمت المريب " كان يسمع ضجة ونعيقاً وأزيزاً ويخاف. وعبارة "الصمت المريب" تدل بوضوح على حال الاضطراب الدائم الذي يعانيه الراوي، بصفته إنساناً وحيواناً، أو نصف إنسان ونصف حيوان.

 

على الرغم  من ان هذا النص لايتعدى السبعين صفحة في الطبعة الفرنسية (فوليو، باريس) فهو من أشد النصوص الكافكاوية كثافة ورمزية وميتافيزيقية وعمقاً وجودياً. نص يطغى عليه طابع الليغوري ومجازي، ليس لأنه يخلط بين النزعتين الإنسانية والحيوانية فقط، بل لأنه يطرح أشد الأسئلة إشكالاً وغموضاً ويفتح الأدب الحديث على أفق غير مألوف، متخطياً أبعاد الأدب العالمي الذي يقوم على مجازية التشخيص الحيواني. وكما أبدع كافكا في المزج بين التراجيديا والسخرية السوداء خصوصاً في روايته القصيرة "المسخ"، ينجح هنا ببراعة في هذا المزج، مرسخاً السرد الغرائبي في أبهى تجلياته الفانتازية والفلسفية.  


آخر الأخبار