الاربعاء 30 سبتمبر 2020
الرئيسية - علوم وتكنولوجيا - خفايا واسرار تنشر لاول مرة عن شخصية الشهيد الاستاذ عبد العزيز عبد الغني
خفايا واسرار تنشر لاول مرة عن شخصية الشهيد الاستاذ عبد العزيز عبد الغني
الساعة 06:48 مساءً (متابعات)

 بدات تتكشف حقائق عن كبيرالخبراء الاقتصاديين في اليمن و أحد مؤسسي الدولة الحديثة في اليمن،الشهيد الاستاذ عبد العزيز عبد الغني، الذي شغل منصب رئيس الوزراء لسنوات ، وكان عضو في اللجنة العام للمؤتمر الشعبي العام، ورئيسا لمجلس الشوري حتى استشهاده في العملية الارهابية الغادرة التي استهدفت جامع دار الرئاسة في العام 2011 م، حيث نشر الكاتب اللبناني المعروف فيصل جلول مقالا تفصيليا بعنوان"تحية لعبد العزيز عبد الغني في الذكرى التاسعة لاستشهاده" يكشف العديد من الامور الخفية عن شخصية عزيز اليمن,


 يقول جلول :عرفت الدكتور عبد العزيز عبد الغني رئيس الوزراء اليمني الراحل في بدايات اهتمامي باليمن، وتعمقت علاقتنا اكثر عندما استعاد اليمنيون وحدتهم. ما كنت ازور صنعاء من دون ان اراه خلال الزيارة مرة على الاقل او مرات عديدة واحيانا مع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح. وكان عبد الغني يحرص في كل زياراته الى باريس على احاطتي بقدومه، فنمشي في الشوارع او في الحدائق ونتناول الطعام في مطاعم يحبها. كنا نتحدث في كل شيء وكان لا يتحفظ في حديثه ابدا ولكنه كان يتمنى علي ان امتنع عن النشر الا  ما له علاقة بتصريحات رسمية تقتضيها ظروف منصبه الرسمي . في احدى المناسبات كنا نتحدث عن الاطباق الفرنسية واليمنية الموسمية واخبرته اني افضل طبق الهليون في مطالع الربيع واكد لي انه يوافقني الرأي ووعدته ان اتي له بهليون يزرعه في حديقته وهكذا كان لكن الزراعة لم تنجح بسبب ضعف خبرة  “الجنيناتي”  الذي يهتم بحديقته .




وكنت قد صممت اثناء اعداد كتابي عن التاريخ السياسي لليمن، في النصف الثاني من التسعينات، ان اقدم ابرز وجوه النخبة السياسية من السلطة والمعارضة  على حد سواء حتى لا تختصر السلطة بشخص الرئيس ولا شيء غيره في اليمن وقد رحب الدكتور عبدالغني ترحيبا كبيرا بالفكرة ووافق على ان نجري جلسات خاصة في هذا الصدد على هامش لقاءاتنا.


عقدنا على ما اذكر ثلاث جلسات لكن المشروع الذي بدأته تخلف بسبب ضغوط العمل وتباطؤ العدد الاكبر من الذين اتصلت بهم في الرد على اسئلتي واغتنم المناسبة لاعتذر من الذين استجابوا وضاع وقتهم بسبب فشل المشروع وهم عشرة اشخاص فقط وقد فضلوا حينذاك ارسال ردود مكتوبة ورسمية ما عدا الدكتور عبد العزيز عبد الغني والجنرال يحي المتوكل والاستاذ جارالله عمر وساقدم هنا شهادتي حول الدكتور عبدالغني على ان اغتنم مناسبة اخرى  لتقديم شهادتي المتوكل وجارلله عمر وهما ايضا صديقين عزيزين شاءت الصدف ان يغيبا بحادثين مؤسفين . تبقى الاشارة الى ان عبد الغني قضى في تفجير “جامع النهدين” الذي استهدف الرئيس الراحل علي عبدالله صالح ومساعديه المقربين.


اليوغا


سالت الدكتور عبدالغني ان كان يتناول ادوية مهدئة للأعصاب، اذ لم اره مرة منفعلا او غاضبا على الرغم من وجود الف سبب وسبب للغضب و التوتر في اليمن ، فضحك طويلا ثم قال “… انا أمارس اليوغا. لست مؤمنا بعقيدتها .امارسها كرياضة .لقد افادتني بمفهومها الاساسي وهو ان العقل والجسد شيء واحد .اليوغا مفيدة جدا .

عندما تتوتر خذ نفس . هذا احد ابرز تعاليمها. كل الرياضات المعروفة مبنية عموما على كيفية تنظيم التنفس . وانا استفيد منها .فبدلا من ان تنتقم وتصيح، يمكنك ان تضغط قدمك او تشد على يدك عوضا عن ان تضغط على الدماغ  وتنفجر .ساعدتني اليوغا كثيرا. امارسها كرياضة وليس كمباديء كما ذكرت لك . ذلك ان التعمق فيها  يفترض  نمط حياة معينة  فعليك ان تتبع نظام اكل معين  وان تكون نباتيا . بعض الصوفيين عندنا كان يأكل الزجاج. كنا نراهم زمان يمارسون هذه العادة او يضربون انفسهم بالجنبية “
وابتسم قائلا “.. اذا تعمقت في اليوغا ربما عليك ان تمشي على المسامير “


تعلق عبد العزيز عبد الغني باليوغا يفسر كيف تمكن من ان يبدأ حياته في الصفوف الاولى في عهد القاضي عبدالرحمن الارياني والعهود التالية. بداية يصف القاضي بالقائد المحنك خصوصا ان سنوات حكمه الاولى كانت عصيبة جدا، ويروي تعرضه لمحاولة اغتيال في بداية حكمه  اذ استهدف منزله خلال حصار السبعين ب 12 قذيفة  فاضطر للإقامة في منزل  الشيخ محمد علي عثمان . لكنه اجتاز تلك المرحلة بنجاح واقام السلام بين اليمن والسعودية عام 1971  وقال عبدالغني ان منصبه الاول في وزارة الاقتصاد جاء عبر علاقاته الحميمة بالفريق حسن العمري  بعد احداث اغسطس عام 1968 و”كنت اشعر برهبة في منصبي الاول وزيرا للاقتصاد “
كان الفريق العمري يعطي صلاحيات واسعة للوزراء  ويحترم الكفاءات والاختصاصات . كان شجاعا  ولولاه لما نجح اليمنيون في كسر الحصار حول صنعاء وكان  منسجما مع القاضي الارياني ويكملان بعضهما البعض  لكن القاضي عبدالسلام صبرا كان حمامة السلام بينهما فان اعتكف العمري يعيده عبدالسلام صبرا  الى موقعه  الرسمي”


  بيد ان موقع عبدالغني قد اختلف تماما في الولايات التالية فهو سيكون بين رجال  الصف الاول في عهود  ابراهيم الحمدي واحمد الغشمي وعلي عبدالله صالح معا وعن تلك الفترة يقول “..اختياري في هذه العهود ما كان يستند الى كوني زعيما لحزب او لحركة سياسية . كنت تكنوقراطيا تحتاجه الدولة بغض النظر عن رئيسها. تسلمت منصبي الاول كوزير للاقتصاد لأنني درست الاقتصاد في الولايات المتحدة الامريكية . وعملت محافظا للبنك المركزي وهذا ايضا من اختصاصي. كان خريجو الولايات المتحدة قلة يعدون على الاصابع”


واضاف “.. دعاني ابراهيم الحمدي ذات يوم وقال لي نريد ان نعينك رئيسا للوزراء . قلت وهل اصلح لهذا المنصب. فقال لي انا زيك شوف كيف وقعت رئيس دولة والحمدالله مشت الامور بالتعاون مع الاخوان المحيطين بي”
واوضح “..كان من بين الوزراء الذين اخترتهم . بالتشاور مع الحمدي كل من  الدكتور عبد الكريم الارياني  ومحمد الجنيد وهم ما زالوا في الحكم حتى اليوم ومنهم ايضا  حسين العرشي وعبدالله الاصنج  وعبد الله الكرشمي . كنت عضوا في مجلس القيادة في عهد الحمدي  وكان معنا يحي المتوكل . انا ارى ان فكرة التكنوقراط مفيدة لان الناس لا تنظر الى الشخص على انه فئوي او مرابط  بجهة معينة وينتهي معها  اذا انتهت . لم اكن مصنفا في خانة معينة . او في دولاب معين. كنت مصنفا بانني مع كل الناس”


وهل يمكن لتكنوقراط ان يجتاز العهود بسهولة الن يكون مدعاة للحذر من عهد انقلب على عهد  ونحن نعرف ان لكل عهد رجاله في اليمن وغير اليمن ” …عندما تولى الغشمي السلطة لم يغير سياسة الدولة اعتبر نفسه امتدادا للحمدي ومثله فعل علي عبدالله صالح هم ينتمون الى مجموعة 13 يناير نفسها . في العهود الثلاثة كان هناك احترام للتخصص والمتخصصين .كنا نناقش المسائل المطروحة  ثم نعمل على التنفيذ. لقد تأسست في عهدي وزارات النفط والصناعة.”


بالعودة الى اليوغا وعلم النفس اللذين ينتميان الى عالم واحد وبالتالي كان ينبغي لرئيس الوزراء اليمني ان يكون غارقا في هذا العالم الا انه فاجأني بالقول ” … في الحقيقة قراءاتي ليست كثيرة في علم النفس وفي غيره . بالكاد  اجد الوقت الكافي للتوقيع .ولو كنت رئيسا للوزراء في اوروبا لربما كانت قراءاتي واسعة اكثر. طبعا قرات علم النفس في الجامعة وفرويد بصورة خاصة رغم انه صعب و تتسع قراءاتي المتنوعة فقد استمتعت بقراءة براترند راسل  والدكتور زكي نجيب محمود واقرا مقدمة ابن خلدون باستمرار. قرات مكيافيللي ولست معجبا بنظرياته .في فترة مبكرة من حياتي قرات  راس المال والبيان الشيوعي لكارل ماركس . ما كان ممكنا للشاب الذي كنته ان يتخلف عن قراءة هذه الكتب في تلك الفترة . اذكر جملة سمعتها من احد الاساتذة: لو لم يكن ماركس موجودا لوجد ماركس . التجربة السوفييتية غنية جدا لكن المشكلة تكمن في تحجر الماركسية”


في احدى الجلسات  حدثت الدكتور عبدالغني  عن استهجاني لتنظيم احتفال في احدى الدول الخليجية  عزفت خلاله فرقة كلاسيكية اثر كارل اورف الخالد ” كارمينا بورانا ” وهي  تمجد الدنس  اذ كيف يمكن  لدولة متدينة  او على الاقل تعتبر ان الاسلام دين الدولة ان تحتفل باثر كلاسيكي يمتدح الدنس فقال لي انه هو ايضا لم يكن يعرف هذه الخلفية لكنه اعرب عن تفضيله ل بيتهوفن  .. عندي كل سيموفنياته وشوبان ايضا .واوبرا عايدة ل فيردي . والفصول الاربعة لفيفالدي لدي فيديو خاص عنها . وانا متعلق بموسيقى الجاز وبخاصة مايلز ديفيس كنت مواظبا على سماعه في الولايات المتحدة. لقد جربت كثيرا ان احب ارمسترونغ لكنني لم افلح لان صوته اشبه بصوت الثور “


رئيس الوزراء الحداثي يجب ان يكون متعلقا ايضا بالفنون الاخرى كالسينما والرسم والشعر والادب ” ..كنت احب الرسم خلال دراستي وما زلت . واختلف مع كثيرين في تقديرهم لبيكاسو كلما تمعنت وتعمقت في اعماله ستجد انه عبقري حقا زرت الهرميتاج مرارا وكنت استمتع بلوحاته . كل خط من خطوطه يحمل معنى. غيرنيكا  لوحة عظيمة . اعجبت ايضا ب غويا . ورامبرانت وسلفادور دالي “


واستدرك قائلا” .. لكني معجب بالرسم الكاريكاتوري وبخاصة بهجت وبهجوري  وعبد السميع  واولهم ناجي العلي  الذي اعتبره عبقريا واعتبر مقتله خسارة كبيرة “
وماذا عن السينما  حيث لا سينما في صنعاء علما ان رواية متداولة تقول ان تاجرا جاء الى الامام احمد بمشروع افتتاح سينما في صنعاء فقال له نعم يمكنك فتح سينما في صنعاء بشروط ثلاثة: اولا تمتنع عن عرض افلام اباحية ثانيا الا تفتح السينما وقت الصلاة وثالثا ان يكون الدخول مجانا. ابتسم الدكتور عبد العزيز عبد الغني وقال ان هذه الرواية متداولة ولكنه لا يستطيع تأكيد صحتها من خطئها واعرب عن ميله ل الافلام الفكاهية ” ..احب اسماعيل ياسين  والافلام الجادة ايضا لكن وضعي في العمل لا يتيح لي  الاطلاع على ما احب . اتابع بعض المسلسلات .

وبعض الافلام شاهدتها مرارا مثل ذهب مع الريح . بعض الافلام الاستعراضية مازالت تعرض حتى الان”
وفي لقاء اخر تحدثنا عن علاقة المثقف بالسلطة وعن مفهوم تجسير الهوة  بين المفكر والسلطة الذي طرحه ذات يوم احد المثقفين المصريين الكبار فبدا لي مسحورا بتجربة جان بول سارتر مع الجنرال ديغول قال ” ..اعجبتني مقولة سارتر الشهيرة  انا لا اؤمن بالله لكني احترمه لأنه اكثر تواضعا من الجنرال ديغول. علما ان استقرار فرنسا ما كان ممكنا بدون ديغول ودستور الجمهورية الخامسة. بالمقابل كان ديغول يعرف مكانة سارتر وقد قيل له ذات يوم انه يوزع  جريدة ممنوعة وانه يتوجب اعتقاله فقال عبارته الشهيرة : هل تريدون مني ان اعتقل فولتير “
واوضح لكن بعض الزعماء كانوا مثقفين ويجمعون السياسة الى الثقافة ومن بينهم ماو تسي تونغ .كان شخصية عظيمة ومفكرا عبقريا كنت معجبا بكتابه المسيرة الكبرى  وكتابه الاخر حول الفن والادب  لكني غيرت راي منذ اندلاع الثورة الثقافية و بقيت معجبا ب شو ان لاي . كنت انظر اليه بوصفه تكنوقراطيا استطاع ان يقارع الاستعمار  الفرنسي والامريكي ويخلق اسطورة  المقاومة الفييتنامية وقد خلف وراءه بلدا يمكنه ان يدخل بسرعة الى العصر .وعلى الرغم من كونه مثقفا وسياسيا في الان معا فأنني لم اعجب كثيرا ب تشي غيفارا  لأنه يتكلم عن الحقد المقدس. كان حالما  اكثر من اللازم “
كان الراحل عبد العزيزي عبد الغني محبا للشعر وقد ارشدني لأجمل القصائد اليمنية واكد لي انه يقرا بعض الشعراء اليمنيين ويعيد قراءتهم مرارا ومن بينهم ” الاستاذ الزبيري وعلي احمد باكثير ومحمد سعيد جرادة وعبدالله عبدالوهاب والبردوني والمقالح ونزار قباني “
وتوقف عند الشاعر ادونيس مليا ثم قال ” .. ادونيس صاحبي لكنه صعب القراءة . بعض شعره المقفى ممتاز . جاء الى صنعاء وكتب قصيدة بعنوان بلقيس اخذت اقلب فيها دون جدوى . فهل يتعمد التعقيد ؟ انه مثقف وعلامة. كتابه الثابت والمتحول عظيم جدا .  تقرأ لشعراء غيره وتستمتع  لكن البعض الاخر عندما تقرأ لهم تشعر وكأنك طالع الى جبل نقم مشيا على الاقدام. الشعر مثل الموسيقى. تسمعها لترتاح فما نفعه ان كان متعبا “
حاولت مرارا ان اعرف  الشخصيات السياسية التي تأثر بها فكان مقلا في الحديث اشار الى ديغول وفي العالم الغربي وتحدث عن تأثره بجمال عبدالناصر وفي اليمن قال انه تأثر في صغره بالأستاذ احمد محمد النعمان  ومحمد محمود الزبيري  ورفض ان يفاضل بين الائمة الذين حكموا اليمن ” انا انتمي لمنطقة   عانت طويلا من سياستهم السيئة  وتجاربهم لا تسمح لي بالمفاضلة  بين واحد واخر منهم “
في حياته الشخصية لم يكن مستفيضا في الكلام ومع ذلك  فهمت منه انه يختار ملابسه  بنفسه عندما يسافر واحيانا تتولى زوجته هذه المهمة وانه كان يحب صيد السمك عندما كان صغيرا لكنه لا يجد الوقت الكافي للصيد وانه يحب السباحة والسونا ” ومن فضل الاخ حيدر ابو بكر العطاس  انه خلف لنا مسبحا في المنزل  وسونا ايضا . ” للاشارة هنا الى ان العطاس بنى منزلا رسميا لرؤساء الوزارة سكن فيه عبد العزيز عبد الغني واخرون وما زال يعتبر المنزل الرسمي لرؤساء الحكومات في اليمن .
 لفتني تعلق عبد الغني بحماية البيئة فهو يهتم بالنبات والاشجار المثمرة واشجار الزينة وقد حرص على ان يكون بيته  مظللا بها ويأخذ على اليمنيين انهم يهتمون ببيوتهم وبنظافتها لكنهم لا يعبأون بالمساحات العامة كثيرا وكأنها لا تعنيهم . وقال انه يراهن على تغير هذه العادات مع الجيل الجديد الذي يضم اعدادا  كبيرة وكادرات مهمة اكثر بما لا يقاس من جيلنا .
الرحمة والمغفرة للصديق الشهيد عبد العزيز عبدالغني
  كاتب لبناني


آخر الأخبار