الأحد 8 نوفمبر 2026
الرئيسية - تقارير وحوارات - عدن.. غلاء بلا مبرر واضح.. أسعار تواصل الصعود رغم استقرار الصرف منذ أكثر من عام!
عدن.. غلاء بلا مبرر واضح.. أسعار تواصل الصعود رغم استقرار الصرف منذ أكثر من عام!
الساعة 11:40 صباحاً (بوابتي -خاص)

تعيش العاصمة عدن موجة متصاعدة من الغلاء المعيشي، مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، في مشهد بات يثير استياءً واسعاً بين المواطنين، الذين يجدون أنفسهم أمام أسعار تتغير باستمرار، بينما تتراجع قدرتهم على توفير أبسط متطلبات الحياة.

وتكمن المفارقة الأبرز في أن ارتفاع الأسعار لم يتوقف رغم استقرار سعر صرف العملة المحلية منذ أكثر من عام، وهو ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول آلية تسعير السلع، ومدى التزام التجار بمراجعة أسعارهم، ودور الجهات الحكومية في حماية المستهلك.



الصرف استقر.. فلماذا لم تستقر الأسعار؟

لسنوات طويلة، كان ارتفاع سعر العملات الأجنبية يمثل الحجة الأكثر حضوراً لدى التجار والموردين لتبرير الزيادات المتتالية في أسعار السلع، وكان المواطن يتحمل تبعات كل تراجع للعملة المحلية، حتى أصبحت أسعار كثير من المنتجات ترتفع بصورة شبه تلقائية مع كل تحرك في سوق الصرف.

لكن المشهد اليوم مختلف؛ فسعر الصرف يشهد استقراراً نسبياً منذ أغسطس 2025، واستمر التداول خلال الأشهر الأخيرة ضمن نطاق متقارب، دون أن ينعكس ذلك على أسعار الأسواق بالشكل الذي كان ينتظره المواطنون.

وهنا يبرز السؤال الذي لم تعد التفسيرات التقليدية كافية للإجابة عنه: إذا كان ارتفاع الصرف مبرر التجار الدائم لرفع الأسعار، فلماذا تستمر الزيادات بعد استقرار العملة؟ ولماذا لا نشهد مراجعة حقيقية للأسعار تتناسب مع هذا الاستقرار؟

إن استمرار ارتفاع الأسعار في ظل استقرار الصرف يفرض ضرورة مراجعة آليات التسعير، والكشف عن هوامش الأرباح، والتحقق من أسباب الزيادات المتكررة، بدلاً من ترك المستهلك رهينة تسعيرات تتغير دون شفافية واضحة.

أسواق بلا رقابة فاعلة؟

تتزايد شكاوى المواطنين من تفاوت الأسعار بين المحلات التجارية، ومن الزيادات المتلاحقة التي تطال السلع الأساسية والاستهلاكية، في ظل شعور عام بضعف الرقابة التموينية وعدم وجود إجراءات رادعة تحد من التلاعب بالأسعار.

كما أن تحميل المستهلك مسؤولية تقلبات السوق لم يعد مقبولاً، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون هناك جهات رقابية تتابع حركة السلع من المستورد إلى تاجر الجملة وصولاً إلى بائع التجزئة.

ولا يمكن أن تظل حماية المستهلك مجرد بيانات وتوجيهات إعلامية أو حملات تفتيش مؤقتة، بل يجب أن تتحول إلى عمل ميداني مستمر، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في الأسواق.

المواطن الحلقة الأضعف

في المقابل، تتسع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف المعيشة، وأصبح كثير من أرباب الأسر مضطرين إلى تقليص مشترياتهم والاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية، فيما بات الراتب الشهري عاجزاً عن تغطية متطلبات الأسرة.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن تكلفة الغذاء الأساسية أصبحت تتجاوز قدرة شريحة واسعة من الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، الأمر الذي يعكس حجم الاختلال بين الأسعار ومستوى الدخل.

ولا تتوقف آثار الغلاء عند حدود المائدة المنزلية، بل تمتد إلى النشاط التجاري نفسه، مع تراجع القدرة الشرائية وضعف إقبال المستهلكين، ما ينعكس على حركة الأسواق والأنشطة الاقتصادية.

أين الحكومة والسلطة المحلية؟

إن استقرار العملة المحلية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن تحسن الأوضاع الاقتصادية ما لم ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.

وتتحمل الجهات الحكومية والسلطة المحلية في عدن مسؤولية واضحة تجاه ما يحدث في الأسواق، خصوصاً فيما يتعلق بضعف الرقابة، وغياب الشفافية في التسعير، وعدم وجود آليات فعالة تلزم الموردين والتجار بمراجعة الأسعار.

كما أن المواطن بحاجة إلى إجابات واضحة حول الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة لمواجهة موجة الغلاء، وعدد المخالفات التي جرى ضبطها، وما إذا كانت هناك محاسبة فعلية للمتلاعبين بالأسعار.

ما المطلوب الآن؟

لم يعد المواطن بحاجة إلى مزيد من التصريحات التي تشرح أسباب الأزمات، بل إلى إجراءات عملية، أبرزها:

- إطلاق حملة رقابية جادة ومستمرة على الأسواق ومخازن التجار والموردين.
- إلزام التجار بإعلان الأسعار بوضوح ومراجعة التسعيرات بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية.
- التحقيق في الزيادات غير المبررة ومحاسبة المخالفين.
- مراقبة حلقات الاستيراد والتوزيع والجملة والتجزئة، وعدم الاكتفاء بمراقبة المحلات الصغيرة.
- نشر نتائج الحملات الرقابية للرأي العام بشفافية.
- فتح قنوات فعالة لاستقبال شكاوى المواطنين ومتابعتها.

الخلاصة

ما يحدث في عدن لم يعد مجرد أزمة أسعار، بل أصبح أزمة ثقة بين المواطن والسوق والجهات المسؤولة عن تنظيمه.

فالمواطن الذي تحمل لسنوات تبعات انهيار العملة، من حقه اليوم أن يرى أثر استقرارها في أسعار السلع التي يشتريها، لا أن يستمر في دفع فاتورة ارتفاعات لا يجد لها تفسيراً مقنعاً.

إذا كان ارتفاع الصرف سبباً لرفع الأسعار بالأمس، فما مبرر استمرار ارتفاعها اليوم؟

سؤال يضع التجار والموردين والجهات الرقابية أمام مسؤولياتهم، ويستحق إجابة واضحة وإجراءات لا تكتفي بالوعود.


آخر الأخبار