الخميس 5 نوفمبر 2026
الرئيسية - كتابات - معمر الإرياني.. شهادة من قلب التجربة
معمر الإرياني.. شهادة من قلب التجربة
الساعة 11:24 مساءً (خالد عليان)

حين تفرض الحرب على بلد أن يتحدث من بعيد يصبح تأسيس شاشة من داخله فعلا يتجاوز حدود ظروف الإعلام إلى أهمية الحضور . إنه استعادة للمكان في صوته ، وللناس في صورتهم ، وللقدرة على صناعة الحياة وسط ما يهددها .

من هذا المعنى يمكن قراءة تجربة قناة سبأ الفضائية ومنه أيضا تأتي هذه الشهادة لمعالي وزير الإعلام السابق معمر بن مطهر الإرياني الذي كان لجهده ومتابعته أثر في انتقال المشروع من الفكرة إلى الشاشة.



وفي اليمن الذي أثقلته حرب تجاوزت عقدا من الزمن تحمل هذه المسؤولية أبعادا أشد عمقا على رأسها صون الهوية الوطنية ومواجهة التضليل وخطاب الميليشيات الحوثية وحماية الروابط بين اليمنيين وإبقاء مساحة للأمل تستمد صدقها من حياة الناس وقدرتهم على النهوض.

في هذا الظرف نشأت سبأ الفضائية من مأرب الحضارة والتاريخ لتضيف إلى منظومة الإعلام الرسمي نافذة متنوعة بروح شبابية قريبة من المجتمع وأسئلته وثقافته. وكان الرهان أن تجد السياسة مكانها إلى جوار المعرفة والفن وقضايا الأسرة والشباب وأن يرى المشاهد في الداخل والخارج على الشاشة شيئا من حضارة هذا البلد و تاريخة وعراقته وتطلعات ابنائه ، إلى جانب أخبار ه ومعركته لاستعادة الدولة.

وبحكم مسؤوليتي في إدارة القناة عايشت جانبا من الجهد الذي سبق ظهور صورة القناة للناس فخلف كل ساعة بث عمل طويل في البناء والتجهيز والتأهيل واحتياجات تصطدم بضيق الموارد وتعقيدات الحرب. وفي هذه التفاصيل كان حضور الوزير معمر الإرياني ومتابعته منذ مراحل التأسيس والتهيئة وصولا إلى إطلاق القناة ومواكبة إنتاجها.

ومن المحطات التي تستحق التسجيل هو جهده في تأسيس أرضية لانطلاق القناة بشكل رسمي عبر زياراته لجمهورية مصر العربية وقياداتها الاعلامية والسياسية وكذلك الاستعانة بلجنة مصرية متخصصة لاختيار الكوادر بما يعزز الاحتكام إلى الكفاءة والمعرفة والاستعداد المهني. كما امتدت متابعته إلى هوية القناة الصوتية والبصرية وخريطتها البرامجية وإلى توظيف علاقاته واتصالاته بالأشقاء في المملكة والمؤسسات الإعلامية لتيسير احتياجات المشروع وفتح آفاق التعاون أمامه.

وهي جهود تتضح قيمتها حين نتذكر الظروف التي كان يجري فيها تأسيس مؤسسة تلفزيونية من الداخل اليمني. وقد تكامل هذا الدور مع دعم القيادة السياسية وفي مقدمتها فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي والشيخ سلطان بن علي العرادة عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ مأرب. وتضافرت معه جهود المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون والعاملين في القناة الذين حملوا مسؤولية تحويل الإمكانات المتاحة إلى عمل يومي يراه الجمهور ويحكم عليه. واليوم : تقدم سبأ برامجها بكوادر يمنية وروح شبابية وتصل إلى مشاهديها عبر البث الفضائي والمنصات الرقمية حاملة رسالة تنويرية وثقافية وإعلامية نطمح إلى ترسيخها وتطويرها .

ويتجاوز ما يستحق التسجيل لمعمر الإرياني حدود هذه القناة إلى جهده في الدفاع عن اليمن وقضيته ، وإبقاء معاناة اليمنيين وحقهم في استعادة دولتهم حاضرين في الخطاب الإعلامي المحلي والعربي والدولي. فقد واصل العمل على إيصال الرواية اليمنية إلى دوائر أوسع ومواجهة محاولات اختزال الحرب في أحداث منفصلة عن انقلابها الأول على الدولة والمجتمع.

وسخر لهذا الغرض ما أتيح له من منابر وعلاقات واتصالات في ظرف كانت فيه احتياجات المعركة الإعلامية أكبر بكثير من الموارد المتاحة لها. ومن الإنصاف أن تقرأ هذه التجربة في ظروفها. فالمساءلة حق ، وتقدير الأداء ضرورة ، لكن الحكم المهني يقتضي معرفة ما كان متاحا من إمكانات وما حالت دونه الحرب وشحة التمويل وتشتت المؤسسات.

وقد نختلف في تقدير بعض الخيارات غير أن الاختلاف لا يجيز أن نحجب جهدا لأن صاحبه لم يستطع بلوغ كل ما نرجوه. وللرجل جانب إنساني عرفناه في تعامله مع الوسط الإعلامي . فقد لمسنا حرصه على صون الود واحترام الزملاء ، ومحاولاته الاقتراب ممن أثقلتهم الحرب والمرض والحاجة ، ومن بينهم قامات صحفية وإعلامية وجدت نفسها في ظروف قاسية. وكان يسعى بما يستطيع وباتصالات شخصية أحيانا إلى المساعدة أو تيسيرها.

لم يكن في وسعه أن يصل إلى الجميع أو يلبي كل احتياج لكن تلك المحاولات تستحق أن تذكر في شهادة تنصف الإنسان كما تقرأ مسؤولية الوزير ومع ختام مسؤوليته في وزارة الإعلام أكتب هذه الكلمات وفاء لجهد عايشناه ، وإثباتا لحق يستحق أن يبقى في ذاكرة المؤسسة. فمن الإنصاف أن يذكر العاملون في المشروع من أسهم في قيامه ، وأن يظل التقدير موصولا بالأثر الذي تركه صاحبه ، مهما تبدلت المواقع. ولمعالي وزير الإعلام سالم العولقي خالص التهنئة والثقة بأن أمامنا عملا وطنيا يستحق تضافر الجهود. وقناة سبأ بكوادرها وإمكاناتها ماضية في أداء رسالتها وخدمة المشروع الوطني ، متطلعة إلى مرحلة يتواصل فيها البناء ويتسع أثره.


آخر الأخبار